ورغم بعض الاخفاقات التي لاقتها المقاومة بسبب بعض الاختراقات والجواسيس واذناب المحتل، اضافة الى تخاذل بعض عناصرها وارتدادهم على ادبارهم ليتحولوا الى عناصر ما تسمى بـ (الصحوات) وليكونوا نواة لتلك المجالس المتعاونة مع الامريكي الكافر تحت حجج واهية وذرائع متهاوية.
الا ان الجزء الاكبر من عناصر المقاومة بقيت متمسكة بخيار المقاومة ولم ترضى لنفسها ان تكون تبعا للكافر واعوانه بحجة الوطن والمواطنة والحفاظ على المناطق و (سنيتها) واذا بهم يتنازلون عن سنيتهم وثوابت دينهم والمعلوم من الدين بالضرورة وهو (الجهاد) مقابل ثمن بخس دراهم معدودة...!!
ولكن رغم العوامل التي ذكرناها آنفاً والتي تسبب في عرقلة مسيرة المقاومة في بلاد الرافدين احياناً، إلا ان هناك عوامل اخرى لابد من مراعاتها والحذر من التفريط فيها كي لاتحدث عراقيل جديدة او لاسمح الله انتكاسات مستقبلية ومن ابرز تلك العوامل هي :-
-
تصحيح العقيدة والفكر والمنهج :-
ان المقاومة لاتعني القتال المجرد والحمية وحب الوطن وحماية الارض والعرض، ودفع الصائل واخراجه من بلاد الرافدين ليس الا وإنما المقاومة في المنظور الشرعي هي الجهاد في سبيل الله، اي يقاتل المجاهد لتكون كلمة الله هي العليا، يقاتل وهو يحمل عقيدة التوحيد الصافية عقيدة لا إله إلا الله، يقاتل وهو يسعى لإحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة في سبيل الله، إن حملة عقيدة التوحيد بتأييد الله وبالقاء الرعب في قلوب اعدائهم. قال تعالى في محكم كتابه العزيز: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) [آل عمران: 151]. حيث ذكر الله سبحانه وتعالى السبب الموجب لإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، فقال: (بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً) اي: ذلك بسبب ما اتخذوا من دونه من الانداد والاصنام، التي اتخذوها على حسب اهوائهم وإرادتهم الفاسدة، من غير حجة ولا برهان، وانقطعوا من ولاية الواحد الرحمن، فمن ثم كان المشرك مرعوباً من المؤمنين، لايعتمد على ركن وثيقوليس له ملجأ عند كل شدة وضيق، هذا حاله في الدنيا، واما في الآخرة اشد وأعظم، ولهذا قال: (ومأواهم النار) اي: مستقرهم الذي يأوون اليه وليس لهم عنها خروج، (وبئس مثوى الظالمين) بسبب ظلمهم وعدوانهم صارت النار مثواهم. [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ للعلامة الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي/ ص152].
فاذا ماكانت عقيدة المقاوم فيها شوائب وليس صافية من البدع والاباطيل وخلوها من تمام التوكل على الله فلن يتفوه على عدوه بصفاء بالعقيدة وبالنتيجة لن ينصره الله برعب اعداءه المشركين. كما ان ضعف الايمان وعدم صحة العقيدة والمنهج يؤدي الى الفرار والهزيمة امام العدو ويضعف الثبات على الموقف قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ) [آل عمران: 155]. يخير الله تعالى عن حال الذين انهزموا يوم (أحد) وما الذي اوجب لهم الفرار، وانه من تسويلالشيطان، وانه تسلط عليهم ببعض ذنوبهم. فهم الذين ادخلوه على انفسهم، ومكنوه بما فعلوا من المعاصي، لانها مركبة ومدخلة، فلو اعتصموا بطاعة ربهم لما كان له عليهم من سلطان) [[تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ للعلامة الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي/ ص153].
كما ان اليقين بنصر الله تعالى وان النصر من عند الله لا من غيره هو اساس الاعتقاد الصحيح في ميدان المعركة والجهاد في سبيل الله، قال تعالى: (إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران: 160]. (أي: إن يمددكم الله بنصره ومعونته [فلا غالب لكم] فلو اجتمع عليكم من في اقطارها وماعندهم من العدد والعُدد، لان الله لا مغالب له، وقد قهر العباد واخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولاتسكن إلا بإذنه. [وإن يخذلكم]ويكيكم الى انفسكم (فمن ذا الذي ينصركم من بعده؟) فلابد ان تنخذلوا ولو اعانكم جميع الخلق وفي ضمن ذلك الامر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه، والبراءة من الحول والقوة، ولهذا قال: (وعلى الله فلتوكل المؤمنون) تقديم المعمول يؤذن بالحصر، اي: على الله توكلوا لا على غيره، لانه قد علم انه هو الناصر وحده، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود، والاعتماد على غيره شرك غير نافع لصاحبه، بل ضار، وفي هذه الآية الامر بالتوكل على الله وحده وانه بحسب ايمان العبد يكون توكله) [آل عمران: 160]. [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ للعلامة الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي/ ص154]. وقال سبحانه وتعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الانفال: 17]. ذلك ان النبي (صلى الله عليه وسلم) وقت القتال دخل العريش وعل يدعو الله، ويناشده في نصرته، ثم خرج منه فأخذ حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركينفأوصله الله الى وجوههم، فما بقي منهم واحد الا وقد اصاب وجهه، وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم، وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا. يقول تعالى لنبيه: (لست بقوتك – حين رميت التراب- اوصلته الى اعينهم، وانما اوصلناه اليهم بقوتنا واقتدارنا، (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً) اي: إن الله تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن الله اراد ان يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد الى اعلى الدرجات، وارفع المقامات، ويعطيهم اجراً حسناً وثواباً جزيلاً) [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ للعلامة الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي/ ص317].
ان التوحيد كمال الايمان وهو اجماع الاسباب كلها فهو اذا تحقق فلابد ان تأتي اسباب النصر الاخرى له تبعاً، ولذا وعد الله المؤمنين في اكثر من موضع في كتابه العزيز بالنصر والتمكين والاستخلاف قال تعالى: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47]. (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر: 51]. (وأن الله مع المؤمنين) [الانفال: 19]. انه الايمان المقتضي للعبودية التامة لله يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة يستغرق النشاط الانساني كله، وتوجه النشاط الانساني كله، فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وانشاء موجه كله الى الله، لايبغي به صاحبه إلا وجه الله تعالى، وهي طاعة الله والاستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لايبقى معها هوى في النفس ولاشهوة في القلب، ولاميل في الفطرة الا وهو يستغرق الانسان كله) [عوامل النصر في القرآن الكريم/ عبد العزيز التميمي/ مجلة البيان/ عدد 202].
2. اجتماع الكلمة على حق : -
ان تفرق الكلمة سبب للفشل وذهاب القوة والهيبة من نفوس الاعداء قال تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الانفال: 46] بل قد يتحول النصر الى هزيمة الا ان اجتماع الكلمة لايكون كيف ما انفق وإنما باجتماع المسلمين على المنهج الحق الكتاب والسنة، والتحاكم اليهما لا الا غيرهما من الاهواء والآراء والنظرات الخاطئة. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: 59]. قال العلماء: نزلت الآية في الرعية من الجيوش وغيرهم عليهم ان يطيعوا أولي الامر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك إلا ان يأمروا بمعصية الله، فان امروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فان تنازعوا في شيء ردوه الى كتاب الله وسنة رسوله، وان لم تفعل ولاة الامر ذلك أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله ورسوله، لان ذلك في طاعة الله ورسوله، وأديت حقوقهم اليهم كما امر الله ورسوله، [السياسة الشرعية/ لشيخ الإسلام ابن تيمية ص17].
فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، اياً كان ذلك الشخص من الوجاهة والقوة والسلطان.
بل الاجتماع على منهج الحق منهج الكتاب والسنة فهذا هو الاجتماع المحموم مع الحفاظ على ثوابت الدين والمعلوم منه بالضرورة، واي اجتماع آخر فهو اجتماع هوى وتبعية ويكون الاشخاص فيه امّعات لايعرفون من الامر شيء ويجهلون سوء مآلاتهم وخاصة عواقبهم.
3.- واجب اهل العلم والاجتهاد في التوجه الشرعي للمجاهدين :-
الاجتهاد واجب على من كان اهلاً له بان قامت فيه ملكة الاجتهاد وتهيأت له اسباب ووسائله، وعلى المجتهد ان يصل الى الحكم الشرعي بطريق النظر والبحث في الادلة، وما يؤدي اليها اجتهاده هو الحكم الشرعي في حقه، الواجب اتباعه، فلا يجوز له تركه تقليداً لغيره، وهو ان اصاب في اجتهاده فله اجران، وان اخطأ فله اجر واحد، وبهذا جاء الحديث الشريف عن النبي (صلى الله عليه وسلم) إذ يقول: (اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران، وان اخطأ فله أجر واحد) [الوجيز في أصول الفقه/ تأليف الدكتور عبد الكريم زيدان/ ص407-408]. وقال تعالى: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) [آل عمران: 187]، ان دور العلماء وخصوصاً اهل الاجتهاد كبير في ظل احتلال العراق، وفي خصوص المعارك ضد المحتل الكافر من قبل المقاومة العراقية، وان الواجب يحتم على علماء المسلمين في العراق او خارجه بتوجيه المقاومة وارشادها وتزويدها بالفتاوى وتصحيح مسيرتها ان اخطأت في بعض الاحيان لان العالم وخصوصاً اذ كان مجتهداً فهو آثم بسكوته ويتحمل نصيبه من الاخطاء التي تقع فيها بعض عناصر المقاومة او فصائلها.
ان الحكم الشرعي تجاه الحرب على العراق، وان كانت قضية حساسة وشائكة وخطيرة، وهي دائرة محاذير بالنسبة لكثير من اهل العلم القادرين على الحديث في هذه القضية، وهنا قد يقلل من اهمية هذا الجانب لاسباب كثيرة، فقد يقال: ماهو الاثر العلمي له؟ وربما يقال ان القضية تجاوزت الحديث عن الحكم الشرعي، او ان الخوف من انعكاسات ذلك على الشباب المتحمس في البلاد الإسلامي، وما يثيره ذلك من قلاقل او ردود او افعال غير منضبطة، والخوف من ذلك يمنع الحديث بصراحة ووضوح عنها، لكن هذا الامر غير صحيحلان هذه الاعذار لاتثقل في ميزان الحق كفة، خصوصاً ان الواجب هو من المعلوم في الدين بالضرورة لان بلاد المسلمين قد استبيحت واعراضهم واموالهم ودمائهم بل وحتى عقولهم فاي مصلحة ترجح مقابل هذه الضرورات الخمس في السكوت عن الحق وتوجيه المجاهدين توجيهاً شرعياً وفق فتاوى المجتهدين، خصوصاً انهم لم يخرجوا الى الجهاد إلا لينفروا للتفقه في الدين وتحقيق جهاد طلب العلم وتعليمه.
4. عدم موالاة الكفار والاستعانة بهم :-
وقد حدث هذا الامر عند بعض العناصر التي كانت منضمة الى فصائل المقاومة ثم ارتدت من موقفها بحجة حماية مناطقها وتحولت الى مايسمى بـ (الصحوات) وكانت كما ذكرنا آنفاً نواة بناء تلك الجماعات (الصحوات) لينظم اليها فيما بعد العاطلين عن العمل وقطاع الطرق والفجرة من المفسدين في الارض، بحجة دفع الخطر الاكبر وهود الخطر الفارسي الرافضي مقارنة بالخطر الامريكي، علماً ان كلاهما عدد واحد احدهما يكمل الآخر، ولكن انطلت الحيلة على هؤلاء بترويج من بعض من يطبل وبزمر لتلك الخلط (الحزب الإسلامي) وغيره ممن طبل وزمر (المجالس اسناد الامريكي الكافر) وهي ذاتها (الصحوات).
والنتيجة كانت واضحة وهو تمكين اكثر للرافضة في مناطق اهل السنة من خلال عناصر الحرس الحكومي و (مغاوير الداخلية) اضافة الى الجواسيس الذين اندسوا في داخل تلك المناطق بعد ان حاصروها بالكتل الكونكريتية والجدر العازلة.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ * بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) [آل عمران: 149-150].
هاتان الآيتان جاءتا خلال الحديث عن غزوة احد لتحذر المسلمين من التفكير في موالاة الكفار والركون اليهم سواء كانوا كفاراً مظهرين لكفرهم وكانوا منافقين [التحرير والتنوير (4/119)].
فمهما اشتد الكرب وعظمت المصيبة فلا يجوز للمسلمين ان يمدوا ايديهم الى الكفار راكنين اليهم، فان العاقبة وخيمة: (يردوكم على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين). وان بعض النفوس الضعيفة عند الهزيمة قد تتطلع الى ماعند الكفار تتلمس العزة عندهم، فمن كان حاله كذلك فليتذكر: (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) ولعل في التاريخ خير شاهد فيما جرى لمسلمي الأندلس حين اطاعوا النصارى ووالوهم وركنوا اليهم.
5. طاعة امير الجُند والالتزام بالتوجيه الشرعي :-
ان طاعة امير الجند بالسمع له وعدم مخالفته لهو سبب كبير الاثر في النصر وعدم الاختراق وفي لحمة المقاتلين واجتماعهم على كلمة اميرهم المبنية على اصل شرعي، لان معصية الامير وعدم الالتزام بتوجيهاته ستجعل من المقاتلين كل واحد يتصرف وفق رأيه وهواه خصوصاً اذا كان المقاتلين ليس لهم خبرة او باع طويل في اجكام القتال الشرعية التي صنفها اهل العلم في باب الجهاد والسير، والتعامل مع الكفار والموالين لهم والجواسيس، وكيفية انزال الحكم الشرعي فيهم، بعد التأكد من واقع وحقيقة جرائمهم كجواسيس موالين او غير ذلك، من غير البناء على الشبهة وعدم التبين من الاقوال المسموعة او المنسوبة من غير تأكد وهكذا بقية الاحكام الشرعية.
ان السيرة النبوية ضربت لنا مثالاً واضحاً في سوء نتائج المعارك التي لايتمثل فيها لتوجيه امير الجند، وهي معركة احد، ففي هذه المعركة حدد الله تعالى اسباب الهزيمة، ولم يدعها لاجتهاد مجتهد، حتى لا يأتي من يقول ان اسباب الهزيمة انما هو في التفاوت الكبير، والفارق الواضح في (عدد وعدة) الجيشين، حيث ان عدد المشركين ثلاثة الاف مقاتلة وكان بصحبتهم سبعمائة درع، وثلاثة الاف بعير، ومئتا فرس، بينما كان عدد المسلمين سبعمائة مجاهد، ومائة درع، وفرسين فقط. ولئلا يأتي من يقول مصل ذلك، فقد بين الله –تعالى- سبب هذه الهزيمة، ولم يُشر من قريب او بعيد ان التفاوت في العدد والعدة هو سببها، وإنما صراحة ان سبب الهزيمة الخارجية، انما هو سبب داخلي، مجيباً بذلك على تساؤل بعض الصحابة، حينما قالوا: (أني هذا) [آل عمران: 165]، فقال –سبحانه-: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 165]، وفي هذه اشارة الى مخالفة الرماة لاوامر الرسول (صلى الله عليه وسلم) حينما نزلوا من الجبل، وكانوا سبباً في الهزيمة، وفّصل سبحانه ذلك بقوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ) [آل عمران: 152].
وعلق ابن حجر –رحمه الله- على تلك المعركة بقوله: (وقال العلماء: وكان في قصة احد ما اصيب به المسلمون فيها من الفوائد، والحكم الربانية اشياء عظيمة منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقعهم الذي امرهم الرسول –صلى الله عليه وسلم- ان لا يبرحوا منه) فالمد والجزر الذي ينتاب الامة على امتداد تأريخها، انما هو في مدى قربها او بعدها عن الله تعالى، فمتى كانت الامة قوية في دينها مطيعة لربها مستمسكة بسنة نبيها عزت وسادت، ومتى اختل شيء من ذلك ضعفت واستكانت) [من مقال احد الاحزاب، عبد العزيز بن عبد الله الحسيني/ مجلة البيان، العدد/ 212].
6.حسن التعامل مع الهزيمة والثقة بنصر الله تعالى :-
إن للباطل جولة وللحق صولات، ولابد من ان يكون للمعارك مد وجزر، لاسباب قدرية او شرعية، او كلاهما، ولكن الاصل هو نصر المسلمين، فقد نرى في الايام الخوالي الماضية انحسار لبعض عمليات المجاهدين بسبب المتخللين للصف الإسلامي من المنافقين والمتخاذلين (كالاحزاب التي تزعم انها تمثل اهل السنة) او (مجالس اسناد الإحتلال الامريكي الكافر) المسماة بـ (الصحوات) وعراقيل اخرى، إلا ان هذا الأمر لم يتركنا الله –تعالى- دون ان يبين لنا الخطوط العريضة في كيفية التعامل معه، (فقد حُكي عن اصحاب ذلك النبي لما قاتل ومن معه فهزموا فكان موقفهم من الحدث موقفاً صحيحاً حول هزيمتهم الى نصر وعزة. قال الله تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 146-148]
ان هذه الآيات ترسم الموقف الشرعي لتعامل المسلم مع الهزيمة حتى تتحول نصراً باذن الله، وذلك لأمور :-
-
انها موقف ربيين وهم المتبعون لشريعة الرب، وهم اتباع الرسل وتلامذة الانبياء.
-
ان هذه الآيات ذكرت خلال الحديث عن غزوة أحد وما أصاب المسلمين فيها، ففيها اشارة للمسلمين ان يسلكوا مسلكهم حين اصيبوا.
-
ان الله اثابهم على موقفهم هذا بالنصر والعزة والغنيمة (فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ).
أما الموقف الذي اتخذوه من خلال الآيات ويتمثل فيما يلي :-
(الوهن قلة القدرة على العمل وعلى النهوض في الأمر، والضعف ضد القوة في البدن وهما هنا مجازان، فالأول اقرب الى خور العزيمة ودبيب اليأس في النفوس والفكر، والثاني اقرب الى الاستسلام والفشل في المقاومة. وأما الاستكانة فهي الخضوع والمذلة للعدو. ومن للطائف ترتيبها في الذكر على حسب ترتيبها في الحصول: فانه اذا خارت العزيمة فشلت الأعضاء وجاء الاستسلام فتبعته المذلة والخضوع الى للعدو) [متى نصر الله، لعبد العزيز الجليل، ص79].
ان المؤمن لاينبغي ان يهن ولايحزن ولايضعف ولايستكين، اذ كيف يهن وهو الأعلى بايمانه وعزته وعون ربه له؟ (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139]. وكيف يهن ويحزن لما اصابه وقد اصاب الكفار في وقائع اخرى مثل ما اصابه او اكثر؟ (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ) [آل عمران: 140]. (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا) [آل عمران: 165]. فقد اصابتهم مثل ما اصابهم او اكثر، والفرق بين المؤمنين والكافرين فيما اصابهم (وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) [النساء: 104].
وكيف يهن المسلم ويحزن وهو يعلم ان انتصار الكفار على المؤمنين سنة ماضية، لله فيها حكمة بالغة والعاقبة للمتقين؟ (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 140-142].
(مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [آل عمران: 179]. ان الهزيمة النفسية تفعل في الامة اشد من فعل اعدائها بها، وهو ما تعاني منه الأمة الإسلامية اليوم) (من مقال عوامل النصر في القرآن الكريم/ عبد العزيز ابراهيم التميمي، مجلة البيان/ العدد: 202].
واليوم في ظل تحزب الاحزاب الكافرة بموالاتها للاحتلال الامريكي الكافر، او بمناهجها الكافرة على الإسلام والمسلمين، وبتكالب المغفلين من المحتسبين على المسلمين، فلابد من شدة الثقة بالله من قبل المجاهدين المقاتلين اولاً ومن ثم المسلمين العاملين لدين الله وبقية المسلمين ومهما كان واقع الأمة مؤلماً يفرض على كثير من المسلمين اقسى الظنون إلا انها في طريق التغيير الايجابي تسير، بفضل الله ومن ثم المقاتلين المجاهدين الأبطال الذين نوصيهم بتلك العوامل التي هي ستكون ان شاء الله تعالى عوامل النصر والتمكين.
كتبه: عبد الكريم محمد