طفولة مسفوحة في تقاطعات الطرق! ـ ايمان عبدالله
وكالة حق      عدد القراء 8384

بين بائع متجول ومشرّد ومتسوّل!

 

من المسؤول؟ ومن الجاني؟ ومن الضحية؟

 

وكالة حق ـ خاص

 

كان يحمل سنواته العشر بتثاقل رجل مُسّن، وهموم امرؤٍ كثير المسؤوليات وبين يديه عدد من خزانات الوقود الصغيرة مملءة بالبنزين لم تسلم منها ثيابه كلما حاول ان يفرغ بعضها في سيارات الزبائن، يسند قاعدتها على صدره فتتساقط منها قطرات البنزين على قميصه المهتريء لينظر نظرة اعتذار مع همهمة ثم كلمات مندفعة: آسف ياعم... لقد افلتت رغماً عني...

حيث لايدرك –او لاخيارأمامه- أثر تشبع جسده الطفولي بالبنزين!!

هذا هو الطفل احمد الذي يعمل أكثر من سنة قرب احد تقاطعات الطرق في احد أحياء بغداد سألناه: كم عمرك؟ فقال: تجاوزت العاشرة بشهور.

فمن يحضر لك الوقود؟ أجاب أذهب انا وامي وكانت تأتي معي خوفاً علي فتبقى في الشارع تراقبني عن بعد ثم طلبت منها ان لا تأتي بعد لأني تعوّدت واصبح لي معارف كبار في الشارع يحموني...

وهل انت في المدرسة؟ اجاب تركت الدراسة وانا في الصف الخامس الابتدائي، لماذا يا احمد... نظر الى يديه وقميصه –كأنه يرى اننا نتغابى- فقال: اية مدرسة؟ (والعيشة!) نحن اسرة مهجرة ونسكن بالايجار وانا اكبر اشقائي... مثل احمد كثيرون جداً بعضهم مثله يبيع البنزين وآخرون يبيعون أشياء تافهة اخرى مثل المناديل الورقية (الكلينكس)، أكياس النايلون، قطع قماش صغيرة لمسح السيارات، حاجات واشياء بسيطة (حاجة بربع) والبعض يقوم بتقديم خدمات معينة كحمل البضاعة للمتسوقين او ادفع عربة خشب صغيرة او (جلب شاي وتفريغ أكياس النفايات)... أعدادٌ اخرى تمارس التسول.

 

متى تفاقمت الظاهرة

 

برزت عمالة الاطفال والتسرب الدراسي بعد الحصار الاقتصادي مباشرة عام 1990-2003 وذلك لتدهور الحالة المعاشية وتدني الدخل في مقابل ارتفاع اسعار الأطعمة والسلع فاضطرت الكثير من العوائل الى تشغيل الاطفال من أجل تأمين القوت والاحتياجات الاعتيادية للأسرة... وازدادت المشكلة حتى اتخذت شكل ظاهرة بعد الاحتلال في 9/4/2003 وتفاقمت في الآونة الاخيرة بفعل المتغيرات الكبيرة التي تعرضت لها البلاد وارتفاع حصيلة الاغتيالات والقتل الطائفي والتهجير القسري والتسرب الدراسي وتفشي البطالة والفقر وارتفاع اسعار الحاجات الأساسية والخدمات الى جانب تردي الاوضاع الامنية وضعف او انعدام دعم الدولة للأسر المتضررة والفقيرة كل تلك الاسباب تركت آثارها السلبية وساهمت في بروز الظاهرة  كما يقول السيد ضياء الدين محمود مختص بحقوق الانسان .

 

إهمال الجانب التربوي

 

بينما ربطت السيدة نغم عبد الله/ مرشدة تربوية بين ظاهرة التسرب الدراسي وبين ظاهرة تشغيل الاطفال دون سن العمل واطفال الشوارع...

فقالت: كان لقانون التعليم الالزامي والتشديد في تطبيقه بمتابعة ذوي التلميذ قانونياً اثراً كبيراً في العملية الدراسية وفي إنتظام التلاميذ خاصة في المرحلة الابتدائية، حيث يُحاسب ذوي الطفل الذي يتسرب عن الدراسة ويجري إبلاغهم رسمياً وتقع عليهم المسؤولية القانونية في عودته وانتظامه دراسياً حتى انهاء المرحلة الابتدائية في الاقل، ونتيجة لما مرّ به البلد من ظروف مروعة وتغيرات كالهجرة والتهجير والاغتيالات والتفكك الاسري، كل تلك الامور جعلت من قطاع التربية من الاهتمامات الثانوية، فأهملت القوانين والقرارات التي كان لها فضل كبير في ضبط العملية التربوية ومنها قانون التعليم الالزامي، وحبذا لو فُعل العمل بهذا القانون جنباً الى جنب مع تحسين الوضع الأمني ودعم الاسر الفقيرة ومنح مخصصات للاطفال في مرحلة الدراسة بالنسبة للموظفين وطلاب المدارس ممن لايملكون دخولاً ثابتة (أبناء الكسبة والعاطلين).

كما احبّ ان الفت النظر الى ضرورة دراسة الظاهرة علمياً وميدانياً لوضع الحلول المناسبة لها...

وابدى الاستاذ عبد الباري محمود/ تربوي/ وأب لاربعة طلاب، ألمه وأسفه ان يرى هؤلاء الاطفال يقعون ضحايا أخطاء الكبار كمسؤولين رسميين وكمجتمع وأولياء أمور انهم علامة فشل هؤلاء جميعاً لا أولياء الامور فقط... فمما لاشك فيه ان كل اب وام يحلمان بمستقبل مشرف لابنائهم ولابد ان ثقل الظرف ووطاة الحاجة هما الذين دفعا اولياء الامور الى التخلي عن الحلم تحت تهديد قسوة الواقع الفاقة، والجوع والتشريد... فليس الاطفال وحدهم مشردون... اليست اسر بكاملها اصبحت مشردة... اليس ملايين الاطفال فقدوا الآباء والماوى والوطن... ولكن هؤلاء الصغار امانة يجب ان لاتضيع تحت اي ظرف واي سبب واي تبرير!! كما ان انتشار اطفال الشوراع يعتبر إفراز مرضي للأحتلال وما احدثه من ارباك سياسي واقتصادي وثقافي وأمني ترك آثاراً وخيمة على الأسرة ليصبح الشارع ملاذاً للبحث عن عمل زهيد لسدّ الرمق ولمساعدة اسرهم مما يعرضهم للاستغلال والانحراف السلوكي –لاسمح الله- والحل؟

عندما تتعرض المجتمعات الى ازمات كبيرة فانها تترك آثارها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية مما يؤدي الى نتائج سلبية على الاسرة والفرد والمجتمع اذا لم يتم تبني سياسات اقتصادية واجتماعية وتربوية مناسبة وسريعة لتلافي الخلل وسدّ النقص ومن اسباب الحد من الظاهرة كما استنتجنا من الواقع ومن خلاصة هذا التحقيق مايلي:

غياب المؤسسات والجهات الحقوقية التي تدافع عن حقوق هؤلاء الصغار وتحتويهم وتحميهم من الأستغلال والاساءة اياً كان شكلها ونوعها.

رفع مستوى الوعي الاسري في التوجيه والتنشئة الاسرية والاجتماعية وإشاعة المنهج الإسلامي التربوي الصحيح في تربية الطفل المسلم على العلم والعزّة والكرامة.

تحقيق مستوى دخل جيد للاسر يغنيها عن إرسال اطفالها الصغار الى الشارع من اجل كسب بسيط مما يعرضهم لمخاطر جمّة.

تحقيق الاستقرار الامني والاقتصادي والاجتماعي بتشريعات داعمة لاستقرار الاسرة حيث لايمكن ان يشعر الصغار بالاستقرار في ظل اسر مفككة مشتتة كلٌّ في صوب ومكان مهجرين داخل الوطن او مهاجرين خارجه او محاصرين في أحياء ضيقة لايستطيعون مغادرتها.

تفعيل قانون التعليم الإلزامي للمرحلة الابتدائية وإعادة المتسربين الى مقاعد الدراسة وبحث مشاكلهم والتعاون في ايجاد حلول ومعالجات مناسبة لها...

ان يحتل المسجد دورهُ الكامل كجماعة إيمانية يتحقق فيها الجانب العبادي والتربوي وان يولي الأئمة والدعاة هذه القضية اهتماماً ويناسب حجمها وخطورتها، لتكون هذه الشريحة المهمة ذخراً مدّخراً للامة وعامل بناءٍ لمجدها لاعامل تفكك وضعف فهؤلاء الصغار والفتيان كلهم نشاط وحيوية وطاقة وهم في مرحلة التعلم والتلقي والاستيعاب حرام نتركهم نهباً للمستغلين بكل أصنافهم مقابل لقمة عيش ودنانير معدودة...

والذي يريد ان ينتشلهم من شوارع الضياع واسواق الحرمان أمامه مشاريع كثيرة ووسائل اكثر... فهل من مشمر؟ هل من مبادر؟

 

الجمعة 25 ـ 4 ـ 2008

4/25/2008

Share |

البحث

كلمة حـــق

 

224 مليار دولار موازنات العراق وحصة المواطن منها عشرة دولارات شهريا !!

وتستمر رحلتنا مع موسى فرج الرئيس السابق لهيئة النزاهة  في كشفه لملفات الفساد الذي سرى في الجسد العراقي سريان النار في الهشيم منذ ان ابتلى الله سبحانه وتعالى العراق  بكارثة الاحتلال ويصل بنا المطاف الى ملفات خطيرة تكشف بالدليل القاطع كيف يتم نهب اموال العراق وسرقتها من قبل من تسمي نفسها حكومة ومن يسمون انفسهم بقادة العراق الجديد الذي تحول الى كتلة من المعاناة المرة لابناء شعبه قلما مرت بها شعوب اخرى من قبل .

صور من العراق













44 قتيل وجريح حصيلة اولية لتفجير انتحاري قرب مبنى وزارة الدفاع القديمة في منطقة الميدان وسط بغداد.

مختارات
مقالات
الجهاد الاعلامي