ضجة صغيرة في امريكا، بشأن الانفاق على ما يسمى بـــ (اعادة الاعمار) في العراق، ومدى النجاح في هذا الملف، ومدى ما يخسره الامريكان الذين تتعالى بينهم اصوات تقول اننا عملنا ما علينا و (حررناهم) ويقول اخرون هذا البلد لايجيد انفاق امواله الخاصة، ويمكن للمرء ان يتساءل: لماذا يتوجب على الولايات المتحدة ان تنفق مالها الخاص لاعادة اعمار العراق؟
القضية برمتها تجيء في سياق التغطية على ما كشفه عالم اقتصادي بارز، حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد هو (جوزيف ستيفليتز)، الذي اصدر مؤخرا كتابا يتناول تكلفة غزو العراق واحتلاله، عنوانه (حرب الثلاثة الاف مليار دولار) والذي تسبب في ضجة كبيرة، في امريكان واضظرت مصادر البنتاغون (وزارة الدفاع الامريكية) الى الرد عليه، ووصف الارقام بأنها (مبالغ فيها)
الضجة تريد توجيه الانظار الى فشل حكومة الاحتلال الرابعة في انجاز متطلبات اعادة الاعمار، بعدما تبين ان المالكي وصولاغ وعصابتهما، فشلوا حتى في اسهل وظيفة يمكن ان تكلف بها اية ربة بيت: الانفاق! فبعد ان استقطاع حصص الاحزاب والمليشيات والمرجعيات، والمقاولين الذين ترشحهم تلك الاحزاب والمليشيات، فان الذي يبقى تعيده وزارة المالية الصولاغية، ليعاد تدويره في ميزانية عام قادم!
لكن القضية ليست بهذا التجريد والبساطة، والا لكان الامريكان الذين يهيمنون على كل مفصل من مفاصل الحكومة هم ابرياء انقياء اتقياء، مثل براءة ونقاء وتقوى البريطانيين من التورط في تهريب النفط في البصرة!
الفساد صفعة من صفعات (الفوضى البناءة) والتوريط في الفشل وفي النهب، امر مقصود بحد ذاته، يستخدم في اكثر من مجال، الضغط بكشف المستور، وابقاء البلاد في حالة من التردي الخدمي والاعماري، وبحيث يجيء الوقت الذي تكون فيه الظروف مهيئة للأمريكان، بتولي الشأن المالي والاقتصادي للعراق، وبقرار دولي يعيد الى الاذهان تجارب الانتداب.
لم لا، والفشل يبرر ذلك، بل يجعله امرا محمودا مطلوبا لدى من لايرى سوى ظاهر الامور.
اقترح رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ كارل ليفين في جلسة استماع للمجلس ان، ينقل العراق موارده الى امريكا حتى تديرها كما تدير اموالها الخاصة في عملية اعمار العراق تلك، مضيفا (نحن ننفق اكثر منهم – اي العراقيين - )! وهو تصريح يتناقض مع موقف ليفين نفسه الذي كان يقول: لا اقبل القول ان العراقيين، غير قادرين على ادارة عائداتهم!
وبعيدا عن هذا السجال الذي هو غير بعيد عن الصراع السياسي، فان المشترك بين السياسيين الامريكان، هو ان العراق يجب ان يدفع آخر سنت صرفته الولايات المتحدة الامريكية، سواء على مجهودها الحربي الذي ادى الى احتلال العراق، او ما انفقته تحت اي بند اخر من وجوه الصرف. وهو ما سوف يترجمه الامريكان بتقييد البلاد بقيود ثقيلة، من الديون والتعويضات اللاحقة، لن يكون اوان الحديث العلني فيها بعيدا، اما الحديث المموه الذي تروح له ادارة بوش، من مثل مانقل عن مكتل(ديفيد ساترفيلد) كبير مستشاري وزيرة الخارجية (كوندليزا رايس)، الذي قال: (الولايات المتحدة لاتبحث عن تعويض من العراق، لكنها تتوقع ان يتحمل هذا البلد قسما اكبرا من المهمات الامنية، والشؤون المالية)!
فهذا كلام سوف تختبر مصداقيته، ايام مقبلة مثلما اختبرت الدعاوى الامريكية التي سوغت غزو العراق واحتلاله!
كتبه: نعمان الجبوري