يسمون التراكض على المالكي وحكومته بأنه حراك سياسي، في ظروف تبدو مثالية لانجاز الاصلاح السياسي ويقرون جميعا (باستثناء المالكي ومن بقي معه في الحكومة) ان العملية السياسية كانت فاشلة بامتياز، لكنهم يدورون في الدائرة نفسها: لقاءات وحوارات بين قوى متخاصمة متنافسة على امتيازات لن يتمكنوا من الحصول عليها، وتروج القوائم الداخلة في (الحراك) الجديد، بان مطالبها السابقة غير قابلة للمساومة! والجميع يعلم ان المالكي لن يعطي شيئا، اما لأنه لايملك ما يعطيه او لانه لا يريد ذلك!
بل ان اسهم المالكي ارتفعت بعد عودته من رحلة العلاج الى لندن مع ان لاعلاقة للعملية السياسية بتصلب شرايين المالكي ثم علاجها، والواضح انه لا يقبل سوى ان يعود من كان خرج للحكومة، بنفس الشروط القديمة لاسلطات اضافي ولا مشاركة في القرار ولا توازن طائفي في الوظائف وفي ادارة الملف الامني ، بل من يريد ان يعود فأهلا به بشرط ان يجعل هدفه الاول دعم حكومة المالكي.
يقول النائب عن قائمة الائتلاف الشيعي عباس البياتي الموزع بين هويتين تشيعية وتركمانية، وهو بصدد توضيح ما يحصل هذه الايام: ان هناك "تحركات سياسية من اجل ايجاد تحالف وطني واسع يضم جميع القوائم الحالية" مشيرا الى ان " هذا التحالف يستهدف اربعة اهداف مهمة : تعزيز الحكومة، عبر ترشيح وزراء اكفاء ومهنيين والعمل على تحديث البرنامج الحكومي وتقييمه من خلال توافقات عريضة بشأن عدد من القوانين المهمة كالتعديلات الدستورية وقانون النفط والغاز وقوانين اخرى مهمة، فضلا على توسيع اطار المصالحة الوطنية وتفعيل آلياتها ولجانها".
هل في هذا الهراء كله جديد؟ محور العملية الجارية هذه الايام اذا هو حكومة المالكي ودعمها، والذين يدعمون هذه الحكومة هم كل اصحاب ( القوائم الحالية)، اي جميع الداخلين في العملية السياسية أهل اليمين منهم واهل اليسار، والمحقون والمبطلون، فأي تحالف هذا الذي يضم فرقاء مثلوا طبقات واعراق وعقائد، قادها الاحتلال واعوانه، الى القتال والانكفاء على الذات والتخندق، ولم كان تنافسهم اصلا على المقاعد والوزارات اذا كانوا كتلة واحدة تحالفوا جميعا – او يراد منهم ان التحالف اليوم – لدعم المالكي، ويتوافقون اليوم جميعلا بـ ( توافقات عريضة) !لإنجاز مافشلوا عن حسمه منذ سنين ! ويحاولون ايهام الناس وخداعهم، بعد ان فهموا ان المالكي لا يهمه ان يقود البلاد بوزارة من وزيرين او ثلاثة فقط، ان الحلول السحرية المتاحة، هي حكومة تكنوقراط رشيقة تضم 20 وزارة بدلا من 37 وزارة فشلت جميعا في عمل اي شيء نافع للعراقيين، والتكنوقراط ( المهنيون ) تضاف اليهم صفة ثانية بأنهم (مستقفلون ) والتكنوقراط المستقل الصالح لانقاذ العملية السياسية في العراق، هو رابع المستحيلات بعد الغول والعنقاء والخل الوفي!، خذ اليك تكنوقراطي مستقل شيعي، يقلد السيستاني او اليعقوبي، يؤمن بأن السلطة لابد ان تكون للولي الفقيه، وان في العراقيين من أيدوا معاويه رضي الله عنه على قتال علي رضي الله عنه، وان في العراقيين نواصب ومروانيون ويزيديون همشوا الشيعة واضطهدوهم، لو لا ان جاء الفرج على يد جورج دبليو بوش المتحالف مع الولي الفقيه في ايران.
الحديث في الاستقلالية بعد تمزيق النسيج الوطني العراقي، وتقديم الهويات الفرعية على الهوية الوطنية، هو ضرب من الخيال، ثم من الذي يرشح هذا التكنوقراطي المستقل، هل هو مثله يحمل صفاته نفسها ام هو من قائمة ما كانت لتفوز لولا الانحياز ورفع الشعارات الطائفية والعرقية، ودغدغة احاسيس العوام ، وربط نجاتهم من النار بانتخاب تلك القائمة رأسا.
واي تكنوقراطي مستقل يصمد امام نفوذ مافيات الفساد والجريمة والنهب، والتي تسنخدم قوة الدولة، وعناصر الميليشيات لفرض قوانينها، وارادتها؟
لن يحصل الذين يدورون حول عرش المالكي شيئا باستثناء امتيازات شخصية ومنافع لهم وللحلقة الصغيرة التي من حولهم، وسلاما على الوطنية واصوات الناخبين ومصلحة الاهل والعشيرة!.
كتبه: نعمان الجبوري