بقلم مدير تحرير وكالة حق \ عبد المجيد خضير
عاد (عمر) مسرعا الى ابيه بعد ان كان يلعب في الشارع مع عدد من ابناء حيه في احدى مناطق جانب الكرخ من بغداد وهو يبكي بحرقة والم ... تفاجئ الوالد بدموع ابنه ذي الثمانية اعوام وتصور انه احد من اصدقائه قد تشاجر معه لكن (عمر) برد شكوك والده وتمالك نفسه وقال له : ان الامريكان والحرس دخلوا الى مدرستنا ويريدون ان يجعلوا منها مكانا (قاعدة) لهم فكيف سأذهب الى المدرسة .. بهت والد (عمر) من الموقف وحاول تهدئة (عمر) وقال له انهم لن يبقوا طويلا هناك وسيتركون المدرسة وسوف تستطيع الذهاب اليها فلا تخف وكن شجاعا ..
وصورة عمر ليست الوحيدة في العراق بل هي واحدة من الاف الصور التي تكشف جانبا من الصورة القائمة للنظام التعليمي والتربوي في العراق منذ احتلاله وحتى يومنا الحاضر اذ تبرز هذه الصورة الناطقة بشكل قاسي مع بداية كل عام دراسي فالكثير من المدارس وخاصة في المناطق التي تطلق عليها قوات الاحتلال والحكومة وصف (الساخنة) تم الاستيلاء عليها وتحويلها الى مقرات لهذه القوات ثم ان هذه المناطق (الساخنة) وهي مناطق (سنية) تعاني وبنحو دائم من حصارات شاملة وتضييق يستمر احيانا كثيرة لأشهر وتصبح خلاله حركة الكبار عسيرة فما بالك بحركة التلاميذ الصغار خلال ذهابهم وايابهم من والى مدارسهم .
(جنان) معلمة في احدى المدارس في منطقة الاعظمية .. تقول ان مدرستها خلال العام الدراسي الماضي كانت تداوم ليومين او ثلاثة في الاسبوع كأقصى حد وكانت اعداد التلاميذ الذين يحضرون للدراسة لا يتجاوز الـ(30%) في احسن الاحوال لانه وببساطة كان الوضع متوترا ودوريات القوات الحكومية وقوات الاحتلال تكاد لا تفارق الشوارع المحيطة بالمدرسة وقد كان ذك مرعبا للاطفال ولذويهم .
اما (ابو احمد) وهو مدير احدى المدارس في منطقة العامرية فيقول ان الحال في العامرية لا يختلف عنه في الاعظمية فالمدارس بمجملها تعاني من الوضع الصعب الذي تمر به المنطقة بسبب الحصار المفروض عليها منذ عدة اشهر من قبل قوات الاحتلال والقوات الحكومية وعندما اريد ان اعطي نسبة لعدد الايام التي انتظم خلالها التلاميذ في الدوام خلال العام الماضي بسبب حالة التوتر الشديد التي سادت (العامرية) على خلفية الانتشار المكثف لقوات الاحتلال والقوات الحكومية فأنها لا تتجاوز الـ(35%) وهي حالة يمكن ان تتكرر هذا العام بنحو اسوء لان الوضع في البلد بشكل عام يسير من سيء الى اسوء .
من جانبها تقول (ام سيف) وهي والدة لاحد التلاميذ الذين تركوا مقاعد الدراسة العام الماضي في منطقة الدورة: ما ذنب ولدي لا يذهب الى مدرسته وضاعت منه سنة كاملة هل هو مقاوم يرفع السلاح بوجه الاحتلال والحكومة ام لانه سني فيجب ان لا يتعلم .. هل هذا ما يريدونه العملاء المتحصنين خلف اسوار المنطقة الخضراء والذين امنوا لعوائلهم السكن والدراسة في المدراس خارج العراق بالاموال التي يسرقونها ليل نهار من ثروات العراقيين واموالهم بينما يحرم ابناؤنا واطفالنا من الذهاب الى مدراسهم والتي نتوقع ان تتواصل هذا العام ايضا لان الحال لم يتغير والعراق من هاوية الى اخرى اتعس .
العام الدراسي الماضي كما ذكر ذلك تقرير صادر عن منظمة اليونسكو التابعة للامم المتحدة كان سيئا للغاية وان العنف المسلح الذي استهدف النظم التعليمية تسبب بحرمان عدد متزايد من الاطفال من الحق في التعليم وان النظام التعليمي العراقي هو اكثر الانظمة التربوية تأثرا بحدة الاعتداءات .
واوضح التقرير ذاته من اصل ثلاثة ملايين ونصف مليون تلميذ عراقي تابع 30% فقط تعليمهم العام الماضي مقارنة بالعام الذي سبقه والتي بلغت نسبته 75% .
هذه الاحصائيات المخيفة عن الوضع السيء للعملية التربوية والدراسية في العراق خلال العام الماضي تكشف جانبا من الاسباب التي دفعت الاف العوائل السنية بالذات الى الهجرة الى الاردن والذي اعلن انه سيستقبل اكثر من 160 الف تلميذ وتلميذة عراقيين في مدراسه استثناءا من شرط الاقامة خلال العام الدراسي الجديد والحال ينطبق ايضا على سوريا وبدرجة اقل مصر ولبنان وهي الدول الاربعة التي استقبلت الجزء الاكبر من المهجرين العراقيين الهاربين من العنف الطائفي .
احد المشرفين التربويين قال ان كل المؤشرات تقول ان الوضع بالنسبة للعام الدراسي الجديد سيكون اسوء بكثير فكل المشكلات التي عانى منها النظام التعليمي العام الماضي لم يحل منه شيء بل ازداد عددها فالنقص في الابنية المدرسية مازال كبيرا وزاردت نسبته على ضوء قيام قوات الاحتلال والحكومة بتدمير العديد من الابنية المدرسية وخاصة في مناطق شمال بغداد وغربها بحجة اتخاذ (المسلحين) لهذه المدارس كمقرات لهم ، كما ان هذه القوات حولت عدد غير قليل من هذه المدارس الى مقرات لها ووزارة التربية لا تملك اي سلطة لمطالبتها بمغادرة هذه المدارس .
ويضيف ان التهديدات التي توجه للكوادر التعليمية في العديد من المدارس لاسباب طائفية لم تعالج وزادت وتيرتها وهو الامر الذي دفع الكثير من المعلمين والمعلمات لترك التدريس خوفا على حياتهم .
ويقول ايضا معلقا على النسبة التي ذكرها تقرير اليونسكو عن حجم الدراسة في العراق خلال العام الماضي ان نسبة الـ 30% التي اوردها التقرير مرهونة بالوضع الامني خاصة وان هناك فترات لم تمكن عدة مدارس من جمع 60 تلميذ من اصل 600 وهذا يتعبر كارثة في مجال التعليم ناهيك عن ان عدة مناطق ومدن عراقية تشهد لفترات طويلة حصار وتضييق من قبل قوات الاحتلال والقوات الحكومية ويفرض حظر للتجوال من دون النظر الى ظروف الطلبة ومستقبلهم .
اذا فأن واقع الحال والوضع السيء في العراق والذي يزداد سوءا ساعة بعد اخرى وليس يوما بعد اخر يلقي بضلاله القاتمة على العام الدراسي الجديد الذي يتوقع اشد المتفائلين به بانه سيكون مأساة جديدة الخاسر الوحيد فيها هو التلميذ العراقي بينما ينشغل رئيس الحكومة بالكيفية التي يحافظ على منصبه !!.
السبت 25-8-2007