يفترض في المالكي وعصابته انهم الاذكياء الوحيدون في هذه البلاد، وان التخطيط الذي ينشغلون به هذه الايام سيكون ناجحا، وسوف يؤدي الى تحجيم اطراف من المقاومة ويحيد قطاعا منها ويجعله خارج المعادلة!
بعد اربع سنوات من ترك منتسبي الاجهزة الامنية خارج دائرة الانصاف وتحريض المليشيات والامريكان ضدهم وحرمانهم من الوظائف والرواتب ومن خدمة البلد، انتبه المالكي فأوعز الى البولاني ان يصدر بيانا عجيبا غريبا يطلب فيه من منتسبي الاجهزة الامنية تثبيت اسمائهم وتثبيت مواقفهم في مراكز الشرطة وفي مؤسسات الداخلية، وشمل البيان الذين هم خارج البلاد واعطى لأهل الداخل مهلة 60 يوما لتنفيذ هذا الامر و90 يوما لمن هم في الخارج، اما الذي لا ينفذ هذا الامر فهو يضع نفسه في دائرة المساءلة وتحت طائلة قانون مكافحة الارهاب ومنخرطا بأعمال عدائية ضد الشعب العراقي.!
بعد اربع سنوات من التحريض على اولئك الموظفين ووضعهم تحت تصرف فرق الموت والمليشيات تتذكر الحكومة هذا الجانب الحساس في الوضع العراقي وتخرج بهذه اللعبة الساذجة والتي لم تكن في درجة كافية من الاحكام والتدبير، فوزارة الداخلية التي بررت لبيانها بأنها سوف تعيد بعض اولئك الى الخدمة وتحيل بعضهم الى التقاعد لا علاقة لها برواتبهم ولا بوضعهم القانوني الموقوف، بل الامر يتعلق بوزارة المالية كما ان بعض فئات اولئك الموظفين لاعلاقة لها بوزارة الداخلية، مثل عناصر المخابرات والاستخبارات العسكرية والامن الخاص وغيرهم، وكان من المتوقع ان يكون قرار انصاف وحسم موقف اولئك الموظفين صادرا عن رئاسة الجمهورية او رئاسة الوزراء مع مقدمة تزيينية في المصالحة الوطنية تكون مبررا ربما صدقه البعض!
الحكومة بالطبع تعلم ان الكثير من اولئك الناس وجدوا انفسهم بين مخاطر من مختلف الاتجاهات، فالاحزاب الطائفية تجند من من يكتب عنهم التقارير ويضعهم تحت رقابة شديدة ويرفع المواقف بشكل مستمر عنهم، والمليشيات لاتنتظر تقريرا ولاموقفا لقتلهم اينما وجدوا وبرغم لجوء الكثير منهم الى تغيير محل اقامته فإن المعلومات عنهم تنتقل من منطقة الى اخرى لتتم تصفيتهم اينما وجدوا، والذي افلت من المليشيات وفرق الموت تولت القوات الحكومية امر اعتقاله ثم تصفيته!
الحكومة تحسب نفسها الذكية الوحيدة في هذه البلاد، لكن الذكاء كان ينقصها هذه المرة فإن مصيدتها لم تكن محكمة، ولم تكن حتى لغة البيان مقنعة، اذ هي لغة مغلفة بالتهديد وتريد ارغام اولئك الموظفين على العودة للخدمة – ان صدقت في هذا الجانب – وتضع الرافضين في خانة الارهابيين، لكن تلك اللعبة لم تكن بالتنسيق مع شركاء الحكومة فهيئة اجتثاث البعث ثارت وغضبت وعدت القرار خرقا للدستور من عدة زوايا، بل رفعت عددا من الشكاوى ضد وزارة الداخلية قدمتها الى القائد العام للقوات المسلحة والى مجلس الوزراء ولجنة اجتثاث البعث في مجلس النواب والى هيئة النزاهة ايضا! .
عند العراقيين مقولة مفادها ان البعض يتحول الى مغفل بسبب زيادة ذكائه، وتبدو هذه المقولة منطبقة تمام الانطباق على الحكومة وعلى وزارة الداخلية، وهنا ينبغي التنبيه على حقيقة جوهرية هي ان هيئة الاجتثاث لايغضبها بالطبع ان تحدد عناوين المشمولين بهذا البيان، ولايهمها ان تتولى فرق الموت والمليشيات قتلهم ومطاردتهم، لكنها – اي الهيئة – تعلم ان الذين سوف يستجيبون لهذا البيان قلة لاتذكر وان البيان ربما اسس لنوع من المطالبة بالعودة الى الخدمة، او الضغط من اجل قبض الرواتب او الاحالة الى التقاعد مع الحقوق المترتبة على ذلك! وهو ما اغضب الهيئة التي رأت نفسها اكثر ذكاءا من الحكومة ومن وزارة الداخلية ايضا!
والصراع بين المتذاكين يقع ضحيته دائما الاذكياء الحقيقيون، لكن الله سلم هذه المرة وانتبه الجميع الى اللعبة المفضوحة الساذجة والتي سوف تؤدي في النتيجة الى المزيد من الحرص والانتباه والوقوف في المكان المناسب بالنسبة لمنتسبي الاجهزة الامنية الذين فصلهم بريمر كما الغى الجيش واجتث البعث واحتمل وزر ذلك من دماء جنوده ومن سقوط هيبة امبراطوريته!
بقلم : نعمان الجبوري